محمد أبو زهرة

342

المعجزة الكبرى القرآن

فمنطقهم الظالم يسير سيرا عكسيا ، تصغر العقوبة عندهم بكبر المجرم وتكبر بصغره ، أما الإسلام فإنه ينظر في الأمر بمنطق مستقيم ، فالجريمة تكبر بكبر المجرم ويكون العقاب على قدرها وتصغر بصغر المجرم ، ويكون العقاب على قدرها ؛ وذلك لأن الجريمة هوان ، وأن الهوان يسهل على الضعيف ، إذ لا قوة نفس تعصمه وتنهاه ، وأن العبد والأمة في ذل وهوان ، فالجريمة منهما قريبة ، فيعذران ، ويخفف عليهما العقاب ، وذلك هو منطق العدل المستقيم ، وهو شرع اللّه العظيم . حد القذف : 210 - القذف هو رمى المحصنات والمحصنين بالزنى ، من غير دليل مثبت ، بل بمجرد الظن الواهم ، أو الإيذاء الآثم ، وفي ذلك تهوين للجريمة وإشاعة للفاحشة في الذين آمنوا ، ولذلك كان العقاب الصارم على من يقذف ، ويرمى المحصنين والمحصنات من غير تثبت ولا تحرج ، ولقد قال اللّه تعالى في ذلك مبينا له بعد حد الزنى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) [ النور : 4 ، 5 ] . وهذا النص السامي دل على أمور ثلاثة : أولها أن الرمي بالزنى لا بد أن يكون ثابتا بشهادة أربعة من الشهداء ، وإلا عد قذفا باطلا ، وكان له عقوبة قاسية ، وهو الجلد ثمانين جلدة ، وهو عقوبة مادية لا هوادة فيها . ويدل ثانيا على أن هناك عقوبة أدبية أو تبعية كما يقول علماء القانون ، وهو ألا تقبل لهم شهادة أبدا ، لأنهم دنسوا ألسنتهم بقول أفحش الباطل ، فيعاقبون على ذلك بألا يقبل منهم قول في قضاء ، والتأبيد يقتضى أن التوبة لا تسوغ سماع شهادتهم . ويدل ثالثا على أن التوبة تقبل عند اللّه إذا تابوا وأصلحوا ، وذلك لا يمنع نزول العقاب الأصلي والتبعي لأن التبعي أبدى . وأن هذه العقوبة لمنع إشاعة الفاحشة ، لأن الاتهام بالزنى وخصوصا للأبرياء يسهل ارتكابه ، ولقد قال اللّه تعالى في ذلك : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [ النور : 19 ] . ولقد ضرب اللّه سبحانه وتعالى مثلا للذين آمنوا بحال أم المؤمنين السيدة عائشة رضى اللّه تعالى عنها ، وهي الطاهرة بنت الطاهرة ، وزوج أطهر من في هذا الوجود ، تطاول المفترون عليها بالإفك ، وقال اللّه تعالى فيهم : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى